الشيخ محمد النهاوندي

56

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

وقال أبو سفيان : إني لأرى بعض ما يقول حقا . وقال أبو جهل : هو مجنون . وقال أبو لهب : هو كاهن . وقال حويطب بن عبد العزّى : هو شاعر « 1 » . [ سورة الإسراء ( 17 ) : الآيات 49 إلى 51 ] وَقالُوا أَ إِذا كُنَّا عِظاماً وَرُفاتاً أَ إِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً ( 49 ) قُلْ كُونُوا حِجارَةً أَوْ حَدِيداً ( 50 ) أَوْ خَلْقاً مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتى هُوَ قُلْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَرِيباً ( 51 ) ثمّ لمّا وصف اللّه المشركين بأنّهم لا يؤمنون بالآخرة ، حكى شبهتهم في المعاد بقوله : وَقالُوا إنكارا للبعث ، وتقريرا لكون النبي فاسد العقل : يا محمّد أَ إِذا متنا و كُنَّا عِظاماً بالية وَرُفاتاً وأجزاء متفتّته أَ إِنَّا لَمَبْعُوثُونَ من القبور حال كوننا مخلوقين خَلْقاً جَدِيداً ومحيين بحياة ثانية مع تفّرق تراب أجسادنا في العالم واختلاطه بغيره وعدم تميّزه ؟ هيهات ، لا يمكن ذلك أبدا ، فردّهم اللّه بقوله : قُلْ يا محمّد لهم : كُونُوا في المثل حِجارَةً صلبة أَوْ حَدِيداً الذي هو أصلب منها أَوْ خَلْقاً آخر مِمَّا يَكْبُرُ ويعظم فِي صُدُورِكُمْ قبوله للحياة لغاية بعده عنها في نظركم ، فانّكم تحيون وتبعثون لا محالة . قيل : إنّ المراد ممّا يكبر في صدورهم السماوات والجبال « 2 » . وقيل : إنّه الموت ، ونسب إلى جمهور المفسرين ، إذ ليس في النفس شيء أكبر من الموت « 3 » . والقمي عن الباقر عليه السّلام : « الخلق الذي يكبر في صدوركم الموت » « 4 » . والمعنى لو كنتم عين الموت لأميتكم واحييكم لا محالة ، لإمكانه وعدم القصور في القدرة ، واقتضاء الحكمة البالغة وجوبه ، إذ لولا البعث لكان الخلق الأول عبثا ، وتعالى اللّه من العبث علوا كبيرا ، فإذا أجبتهم عن شبهتهم تلك « 5 » فَسَيَقُولُونَ إنكارا واستبعادا : مَنْ يُعِيدُنا ويبعثنا مع كمال المباينة بين ترابنا وبين الإعادة والبعث قُلِ يا محمّد ، يعيدكم القادر الَّذِي فَطَرَكُمْ واخترع خلقكم أَوَّلَ مَرَّةٍ وفي بدو خلقكم في هذا العالم من غير مثال يحتذيه من تراب لم يشمّ رائحة الحياة ، فإذا أجبتهم وعيّنت معادهم « 6 » فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ ويحرّكون نحوك رُؤُسَهُمْ تعجبا وانكارا وَيَقُولُونَ استهزاء مَتى البعث ، وفي أي وقت هُوَ قُلْ لهم عَسى وأرجو أَنْ يَكُونَ ذلك الوقت قَرِيباً

--> ( 1 ) . تفسير الرازي 20 : 221 . ( 2 و 3 ) . تفسير روح البيان 5 : 170 . ( 4 ) . تفسير القمي 2 : 21 ، تفسير الصافي 3 : 196 . ( 5 ) . في النسخة : ذلك . ( 6 ) . في النسخة : معيدهم .